وكالة مهر للأنباء: انحسرت حدة الاحتجاجات الشعبية في إيران، وأشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في تصريحاته الأخيرة، رغم توجيهه اتهامات لإيران، إلى هذا الانخفاض في حدة التوتر داخل البلاد. ومع ذلك، فإن الأحداث الداخلية في إيران، التي تأثرت بالتدخلات الخارجية الواضحة والتصريحات التدخلية للرئيس الأمريكي، قد أثارت قلق العديد من دول المنطقة من استمرار التصعيد داخل إيران والتدخلات السياسية وحتى العسكرية الخارجية.
منطقة لا ترغب في مزيد من التصعيد
إن الاتصالات العديدة بين وزراء خارجية دول المنطقة ووزير الخارجية الإيراني في الأيام الأخيرة، بالإضافة إلى أهميتها السياسية، تُشير إلى قلق بالغ في المنطقة. في ظل تصاعد التوترات والتهديدات، أعرب الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة، خلال اتصال هاتفي مع وزير خارجية بلادنا، عن قلقه البالغ إزاء التهديد الذي يواجه أمن دول غرب آسيا. وأكد الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة، على أهمية استمرار المشاورات بين إيران والإمارات العربية المتحدة ودول المنطقة، وضرورة تضافر الجهود لتعزيز الاستقرار والأمن الإقليميين.
كما أعرب وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي مع عراقجي، عن أسفه إزاء الحوادث الإرهابية في ايران، وشدد على أهمية التشاور الوثيق والجهود المشتركة لدول المنطقة لتعزيز الاستقرار والأمن الإقليميين. وفي هذا الاتصال، شرح وزير خارجية بلادنا أحداث الأيام القليلة الماضية، والعنف الذي حوّل الاحتجاجات السلمية للشعب إلى أعمال عنف من قبل عناصر متطرفة تابعة لدول أجنبية، ما أدى إلى استشهاد عدد من أبناء وطننا، وأطلع نظيره المصري على تفاصيل التدخلات الخارجية والفوضى الراهنة. خلال هذه المكالمة الهاتفية، أدان عراقجي بشدة التصريحات الاستفزازية للمسؤولين الأمريكيين، والتي تُعتبر تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية الإيرانية.
وتم التأكيد على مواقف مماثلة في المحادثة التي جرت بين وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ووزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار مع عراقجي.
كما ناقش وزير الخارجية مع نظيره الهندي سوبرامانيام جايشانكار الأحداث الداخلية في إيران، بالإضافة إلى القضايا الدولية. وخلال هذه المحادثات، شدد عراقجي على يقظة الشعب وقوات الأمن وعزمهم على الدفاع عن أمن البلاد، فضلاً عن التصريحات الاستفزازية للمسؤولين الأمريكيين، والتي تُعتبر تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية الإيرانية.
وأجرى علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، اتصالات هاتفية منفصلة مع رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني ومستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي الثلاثاء الماضي، وأكد الجانبان خلالها أن أي محاولة لزعزعة الاستقرار في إيران ستكون لها عواقب وخيمة على الاستقرار الإقليمي.
في هذه الاتصالات، التي يبدو أنها ستستمر في الأيام المقبلة، أشار وزير الخارجية الإيراني ومسؤولون آخرون من بلادنا إلى أحد أهم سمات ومؤشرات الأزمة الأخيرة في إيران، ألا وهو احتمال امتداد الاضطرابات التي اندلعت في إيران إلى المنطقة. من جهة أخرى، يؤكد عراقجي أن استغلال الولايات المتحدة للوضع الراهن في إيران وتصريحاتها الاستفزازية والتدخلية، ممارسةٌ، بالنظر إلى سلوك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونهجه، قد تتكرر في أنحاء أخرى من العالم وفي دول المنطقة، مما يزيد الوضع تعقيداً بالنسبة لها فيما يتعلق بالاستقلال السياسي والسيادة.
ويمكن أيضاً تقييم الاتصالات والزيارات والمشاورات الهاتفية، وكل الجهود المبذولة في المنطقة وبين المسؤولين من مختلف الدول، في هذا السياق. بما في ذلك زيارة وزير الخارجية التركي إلى أبو ظبي والاجتماع مع رئيس الإمارات العربية المتحدة ووزير خارجيتها، فضلاً عن التأكيد المتكرر من قبل مسؤولي أنقرة على أن التدخل الأجنبي يمكن أن يتسبب في عدم الاستقرار، بالإضافة إلى الاتصالات الأخرى التي أجراها مسؤولون من دول أخرى مع بعضهم البعض ومع الولايات المتحدة، تشير إلى أن المنطقة، بالنظر إلى كل التوترات والاضطرابات التي شهدتها وتشهدها، ليست راغبة ولا مستعدة لجولة جديدة منها.
فيما يتعلق بالتوترات الإقليمية الأخيرة، صرّح ماجد الأنصاري، المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، بأنهم يسعون إلى حلّ الخلافات بين طهران وواشنطن بهدف تهدئة الأوضاع في المنطقة وتجاوز الخلافات بين البلدين. وفي هذا السياق، ناقش وزيرا خارجية قطر ومصر التطورات الإقليمية خلال اتصال هاتفي، وأكدا على ضرورة خفض التوتر في المنطقة عبر الحوار.
ويمكن اعتبار ما نُشر في تقرير صحيفة وول ستريت جورنال وثيقةً أخرى في خضم التطورات الإقليمية، حيث ورد فيه أن السعودية تحاول إقناع البيت الأبيض بعدم مهاجمة إيران، وأن قطر وعُمان، إلى جانب الرياض، اتخذتا موقفاً معارضاً لأي تصعيد ضد إيران.
ووفقاً لصحيفة وول ستريت جورنال، أبلغت هذه الدول، الحليفة المقربة للولايات المتحدة في المنطقة، طهران أنها لن تسمح أبداً لواشنطن باستخدام مجالها الجوي لمهاجمة إيران. وبحسب مسؤولين دول الخليج الفارسي، فقد أبلغت السعودية وعُمان وقطر البيت الأبيض سراً بأن أي تحركات في المنطقة قد لا تُزعزع استقرار أسواق النفط فحسب، بل قد تُلحق الضرر أيضاً بالاقتصاد الأمريكي. أعلنت الصحيفة الأمريكية أيضًا أن دول الخليج الفارسي قلقة بشأن تداعيات وتداعيات أي تحركات أمريكية محتملة في أراضيها.
وتنعكس هذه المخاوف أيضًا في وسائل الإعلام الإقليمية، حيث صرّحت صحيفة الميادين، في معرض حديثها عن عواقب التدخل السياسي والعسكري الأمريكي في إيران، بأن إضعاف أو القضاء على دور الجمهورية الإسلامية الإيرانية سيؤدي إلى هيمنة الولايات المتحدة وإسرائيل على المنطقة وإتمام مشاريع ضمّهما. وهذا من شأنه أن يقضي على استقلال الدول العربية، وأن المنطقة ستدخل في "ليلة سياسية طويلة" لا يُسمع فيها إلا صوت اليمين الصهيوني والضغوط الخارجية.
نهج البيت الأبيض المقلق تجاه النظام العالمي
الواقع أن العالم، من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا، ومن غرب آسيا إلى شرق هذه القارة، يتأثر بشكل أو بآخر بالتدخلات الصارخة والتهديدات والأفعال التي تنتهك القواعد الدولية، ومن أبرز الأمثلة على ذلك اختطاف رئيس فنزويلا والإصرار على ضم غرينلاند. إن الخطة التي تبناها الرئيس الأمريكي خلال العام الماضي، بغض النظر عن غموضها وتناقضاتها وافتقارها للمنطق والعقلانية، قد أخلّت بالعديد من الأعراف والقواعد والمعايير الدولية، مما أدى إلى انهيار النظام الدولي. وما نشهده من سياسات الولايات المتحدة في فنزويلا وسوريا ولبنان وغزة وغرينلاند وإيران، لا يخلو من غياب العقلانية واحترام حقوق الإنسان، بل إنها لا يمكن تفسيرها على المدى البعيد بأنها تحمي المصالح الأمريكية، إذ أن الفوضى التي يفرضها ترامب على العالم ستضر في نهاية المطاف بالمصالح الأمريكية في مكان ما، وستزيد الأمور تعقيداً بالنسبة لواشنطن.
إن الانسحاب من المنظمات الدولية، والتهديدات الموجهة للدول، والتصريحات المتناقضة والتدخلية في مختلف المناطق، كلها ارتدادات ستعود في نهاية المطاف على أمريكا، وسيؤدي زعزعة النظام القائم في النظام الدولي إلى فوضى عارمة في غرب آسيا وشمال أوروبا وشرق أفريقيا وأمريكا الجنوبية. إن تقديم تصوير غابة عن عالم سعى بلا هوادة لقرون لتحقيق المعايير الإنسانية والحضارية القائمة لا يتوافق مع أي مبادئ أو منطق، والخاسرون النهائيون في هذه العملية سيكونون في البداية الدول التي كانت رائدة في هذا المجال.
/انتهى/
تعليقك